
Qissadii ''' Al-Axzaab Q1aad ''' Li Sh Xanaafi Xaaji Xafidahullaah
غَزْوَةُ الْأَحْزَابِ
كَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ يَتَفَرَّغُونَ لِنَشْرِ دِينِهِمْ وَإِصْلَاحِ أَحْوَالِهِمْ، بَعْدَ أَنْ سَادَ الْهُدُوءُ بِفَضْلِ مَا اتَّخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْخُطَطِ الْحَكِيمَةِ، فَلَمْ يَحْصُلْ بَعْدَ غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ أَيُّ مُوَاجَهَةٍ تُذْكَرُ لِفَتْرَةٍ تَجَاوَزَتْ سَنَةً وَنِصْفَ سَنَةٍ، وَلَكِنَّهَا الْيَهُودُ ـ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ الْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «حَيَّاتٍ وَأَوْلَادَ الْأَفَاعِي» ـ لَمْ يَرُقْهُمْ أَنْ يَسْتَرِيحَ الْمُسْلِمُونَ…
الشُّورَى وَحَفْرُ الْخَنْدَقِ
وَبَلَغَ خَبَرُ تَجَمُّعِهِمْ وَتَحَرُّكِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَاسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ، فَأَشَارَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ، فَاسْتَحْسَنُوهُ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَحَيْثُ إِنَّ الْمَدِينَةَ تُحِيطُ بِهَا اللَّابَاتُ، أَيْ: الْحَرَّاتُ ـ وَهِيَ الْحِجَارَةُ السَّوْدَاءُ ـ مِنَ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ وَالْجَنُوبِ، وَلَا تَصْلُحُ لِدُخُولِ الْعَسَاكِرِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الشِّمَالِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اخْتَارَ فِي تِلْكَ الْجِهَةِ أَضْيَقَ مَكَانٍ بَيْنَ الْحَرَّةِ الْغَرْبِيَّةِ وَالْحَرَّةِ الشَّرْقِيَّةِ ـ وَهُوَ نَحْوُ مِيلٍ ـ فَوَصَلَ الْحَرَّتَيْنِ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ فِي هَذَا الْمَكَانِ، وَبَدَأَ الْخَنْدَقُ مِنْ جِهَةِ الْمَغْرِبِ مِنْ شِمَالِ جَبَلِ سَلْعٍ، وَوَصَلَهُ فِي الشَّرْقِ بِرَأْسٍ مُـمْتَدٍّ مِنْ حِجَارَةِ الْحَرَّةِ الشَّرْقِيَّةِ عِنْدَ أُطُمِ الشَّيْخَيْنِ.
وَقَدْ وُكِّلَ إِلَى كُلِّ عَشَرَةِ رِجَالٍ أَنْ يَحْفِرُوا أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، وَاشْتَرَكَ مَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ وَنَقْلِ التُّرَابِ، وَكَانُوا يَرْتَجِزُونَ فَيُجِيبُهُمْ، وَيَرْتَجِزُ فَيُجِيبُونَهُ.
وَقَدْ كَابَدُوا أَثْنَاءَ حَفْرِهِ أَنْوَاعًا مِنَ الْمَشَقَّةِ، وَلَا سِيَّمَا شِدَّةَ الْبَرْدِ، وَشِدَّةَ الْجُوعِ، وَكَانَ يُؤْتَى لَهُمْ بِمِلْءِ كَفٍّ مِنَ الشَّعِيرِ، فَيُصْنَعُ بِدَسَمٍ تَفُوحُ مِنْهُ الرِّيحُ، فَيَأْكُلُونَهُ وَهُوَ يَصْعُبُ مُرُورُهُ عَلَى الْحَلْقِ وَشَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجُوعَ، وَأَرَوْهُ عَلَى بُطُونِهِمْ حَجَرًا حَجَرًا كَانُوا قَدْ رَبَطُوهُ، فَأَرَاهُمْ عَلَى بَطْنِهِ حَجَرَيْنِ.
وَقَدْ وَقَعَتْ أَثْنَاءَ الْحَفْرِ بَعْضُ الْآيَاتِ؛ فَرَأَى جَابِرٌ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ شِدَّةَ الْجُوعِ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمْ يَصْبِرْ، فَذَبَحَ بَهِيمَةً لَهُ، وَطَحَنَتِ امْرَأَتُهُ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ دَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سِرًّا فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِجَمِيعِ أَهْلِ الْخَنْدَقِ، وَهُمْ أَلْفٌ، فَأَكَلُوا وَشَبِعُوا، وَمَا زَالَتِ الْبِرْمَةُ تَغِطُّ، وَالْعَجِينُ يُخْبَزُ وَذَهَبَتْ أُخْتُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ بِحُفْنَةٍ مِنْ تَمْرٍ لِأَبِيهَا وَخَالِهَا، فَبَدَّدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوْقَ ثَوْبٍ، وَدَعَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ، فَأَكَلُوا وَرَجَعُوا، وَالتَّمْرُ يَسْقُطُ مِنْ أَطْرَافِ الثَّوْبِ. وَعَرَضَتْ لِجَابِرٍ وَأَصْحَابِهِ أَثْنَاءَ الْحَفْرِ كُدْيَةٌ شَدِيدَةٌ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَضَرَبَهَا بِالْمِعْوَلِ، فَعَادَتْ كَثِيبًا أَهِيلَ، أَيْ: رَمْلًا لَا يَتَمَاسَكُ. وَعَرَضَتْ لِلْبَرَاءِ وَأَصْحَابِهِ صَخْرَةٌ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ»، ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً بِالْمِعْوَلِ، فَقَطَعَ قِطْعَةً، وَخَرَجَ مِنْهَا ضَوْءٌ، فَقَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ، وَإِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى قُصُورِهَا الْحَمْرَاءِ السَّاعَةَ».
ثُمَّ ضَرَبَ الثَّانِيَةَ، فَبَشَّرَ بِفَتْحِ فَارِسَ، ثُمَّ الثَّالِثَةَ، فَبَشَّرَ بِفَتْحِ الْيَمَنِ، فَانْقَطَعَتِ الصَّخْرَةُ. بَيْنَ طَرَفَيْ الْخَنْدَقِ
وَأَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ تَبِعَهُمْ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَمَعَهُمْ ثَلَاثُمِائَةِ فَرَسٍ، وَأَلْفُ بَعِيرٍ، يَرْأَسُهُمْ أَبُو سُفْيَانَ، وَيَحْمِلُ لِوَاءَهُمْ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْعَبْدَرِيُّ، فَنَزَلُوا بِمُجْتَمَعِ الْأَسْيَالِ مِنْ رُومَةَ بَيْنَ الْجُرُفِ وَزُغَابَةَ.وَأَقْبَلَتْ غَطَفَانُ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ فِي سِتَّةِ آلَافٍ، فَنَزَلُوا بِذَنْبِ نَقْمِي إِلَى جَانِبِ أُحُدٍ. وَكَانَ قُدُومُ هَذَا الْجَيْشِ الْعَرَمْرَمِ إِلَى أَسْوَارِ الْمَدِينَةِ بَلَاءً شَدِيدًا وَمُخِيفًا جِدًّا، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
إِذْ جَاءُوكُمْ
مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ
الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا
أَمَّا الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَقَالُوا ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾.
وَاسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَجَعَلَ النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ فِي الْآطَامِ، ثُمَّ خَرَجَ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَجَعَلُوا ظُهُورَهُمْ إِلَى جَبَلِ سَلْعٍ، وَتَحَصَّنُوا بِهِ، وَالْخَنْدَقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْكُفَّارِ.
وَبَعْدَ أَنْ اسْتَقَرَّ الْمُشْرِكُونَ وَتَهَيَّؤُوا، تَقَدَّمُوا نَحْوَ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا اقْتَرَبُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فُوجِئُوا بِخَنْدَقٍ عَرِيضٍ يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَبُهِتُوا، وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: «تِلْكَ مَكِيدَةٌ مَا عَرَفَتْهَا الْعَرَبُ».
فَأَخَذُوا يَدُورُونَ حَوْلَهُ فِي طَيْشٍ وَغَضَبٍ، يَطْلُبُونَ نُقْطَةً يَعْبُرُونَ مِنْهَا، وَالْمُسْلِمُونَ يَرْشُقُونَهُمْ بِالنَّبْلِ، حَتَّى لَا يَقْتَرِبُوا مِنْهُ، فَيَتَمَكَّنُوا مِنَ الِاقْتِحَامِ، أَوْ مِنْ إِهَالَةِ التُّرَابِ وَبِنَاءِ الطَّرِيقِ عَلَيْهِ.
وَاضْطُرَّ الْمُشْرِكُونَ إِلَى فَرْضِ الْحِصَارِ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُسْتَعِدِّينَ لَهُ، إِذْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي حِسَابِهِمْ عِنْدَ الْخُرُوجِ، فَأَخَذُوا يَخْرُجُونَ فِي النَّهَارِ يُحَاوِلُونَ عُبُورَ الْخَنْدَقِ، وَالْمُسْلِمُونَ يُجَابِهُونَهُمْ عَلَى طُولِ الْخَطِّ، يُنَاضِلُونَ وَيُرَامُونَ بِالْحِجَارَةِ.
وَقَدْ كَثَّفَ الْمُشْرِكُونَ جُهُودَهُمْ مِرَارًا، وَأَدَامُوهَا طُولَ النَّهَارِ، وَاضْطُرَّ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الِاسْتِمْرَارِ فِي الدِّفَاعِ، حَتَّى فَاتَتْهُمْ وَفَاتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الصَّلَوَاتُ، وَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ أَدَائِهَا إِلَّا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ تَكُنْ صَلَاةُ الْخَوْفِ قَدْ شُرِعَتْ يَوْمَئِذٍ.
الْمُبَارَزَةُ وَمَقْتَلُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدٍّ
وَفِي أَحَدِ الْأَيَّامِ خَرَجَ نَفَرٌ مِنْ فَوَارِسِ الْمُشْرِكِينَ، فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَغَيْرُهُمْ، فَقَصَدُوا مَكَانًا ضَيِّقًا مِنَ الْخَنْدَقِ، وَاقْتَحَمُوهُ، وَجَالَتْ بِهِمْ خَيْلُهُمْ فِي السَّاحَةِ الَّتِي بَيْنَ الْخَنْدَقِ وَجَبَلِ سَلْعٍ.
فَخَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَكَانِ الَّذِي اقْتَحَمُوا مِنْهُ الْخَنْدَقَ، فَدَعَا عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ إِلَى الْمُبَارَزَةِ، وَكَانَ جَرِيئًا فَاتِكًا، فَأَغْضَبَهُ عَلِيٌّ حَتَّى نَزَلَ عَنِ الْفَرَسِ، فَتَجَاوَلَا وَتَصَاوَلَا حَتَّى قَتَلَهُ عَلِيٌّ، وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ وَقَدْ مَلَأَهُمُ الرُّعْبُ، حَتَّى تَرَكَ عِكْرِمَةُ رُمْحَهُ، وَسَقَطَ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي الْخَنْدَقِ، فَقَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ.
وَأُصِيبَ أَثْنَاءَ الْمُرَامَاةِ عَدَدٌ قَلِيلٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَبَلَغَ عَدَدُ قَتْلَى الْمُشْرِكِينَ عَشَرَةً، وَقَتْلَى الْمُسْلِمِينَ سِتَّةً.
وَأُصِيبَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ـ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ بِسَهْمٍ قَطَعَ أَكْحَلَهُ، فَدَعَا اللَّهَ أَنْ
يُبْقِيَهُ إِنْ كَانَ قَدْ بَقِيَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْءٌ، وَإِلَّا
فَيَجْعَلَ مَوْتَهُ فِي هَذَا الْجُرْحِ، ثُمَّ قَالَ فِي دُعَائِهِ:
«وَلَا تُمِتْنِي حَتَّى تُقِرَّ
عَيْنِي مِنْ قُرَيْظَةَ».
غَدْرُ بَنِي قُرَيْظَةَ وَأَثَرُهُ عَلَى سَيْرِ الْغَزْوَةِ
وَكَانَتْ قُرَيْظَةُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ـ وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ ـ فَجَاءَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، سَيِّدُ بَنِي النَّضِيرِ، أَثْنَاءَ هَذِهِ الْغَزْوَةِ، إِلَى كَعْبِ بْنِ أَسَدَ، سَيِّدِ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَحَسَّنَ لَهُ الْغَدْرَ، وَأَغْرَاهُ عَلَى نَقْضِ الْعَهْدِ، فَنَقَضَ كَعْبٌ الْعَهْدَ، وَقَامَ إِلَى جَانِبِ قُرَيْشٍ وَالْمُشْرِكِينَ.
وَكَانَتْ قُرَيْظَةُ فِي جَنُوبِ الْمَدِينَةِ، وَالْمُسْلِمُونَ فِي شِمَالِهَا، وَلَمْ يَكُنْ مَنْ يَحُولُ بَيْنَ قُرَيْظَةَ وَبَيْنَ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَذُرِّيَّاتِهِمْ، فَكَانَ الْخَطَرُ عَلَيْهِمْ شَدِيدًا.
وَبَلَغَ الْخَبَرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَرْسَلَ مُسْلِمَةَ بْنَ أَسْلَمَ فِي مِائَتَيْنِ، وَزَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ، لِحِرَاسَةِ ذُرِّيَّاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَرْسَلَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي رِجَالٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، يَسْتَجْلُونَ لَهُ الْخَبَرَ.
فَوَجَدُوا الْيَهُودَ عَلَى أَخْبَثِ مَا يَكُونُونَ، فَقَدْ جَاهَرُوا بِالسَّبِّ وَالْعَدَاوَةِ، وَنَالُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَالُوا: «مَنْ رَسُولُ اللَّهِ؟ لَا عَهْدَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ وَلَا عَقْدَ». فَرَجَعُوا وَقَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «عَضَلٌ وَقَارَةُ»، يَعْنُونَ أَنَّ قُرَيْظَةَ عَلَى غَدْرٍ كَغَدْرِ عَضَلٍ وَقَارَةَ بِأَصْحَابِ الرَّجِيعِ.
اشْتِدَادُ الْخَوْفِ وَظُهُورُ النِّفَاقِ وَتَفَطَّنَ النَّاسُ، فَاشْتَدَّ خَوْفُهُمْ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿إِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾.
وَنَجَمَ النِّفَاقُ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ مُحَمَّدٌ يَعِدُنَا أَنْ نَأْكُلَ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَأَحَدُنَا لَا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى الْغَائِطِ.
وَقَالَ آخَرُونَ:
﴿يَا أَهْلَ
يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾.
وَأَرَادَ فَرِيقٌ مِنْهُمُ
الْفِرَارَ، فَاسْتَأْذَنُوا النَّبِيَّ ﷺ، وَقَالُوا مُحْتَالِينَ:
﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾،
وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ.
وَقَلِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَلَغَهُ غَدْرُهُمْ، فَتَقَنَّعَ بِالثَّوْبِ وَاضْطَجَعَ، وَمَكَثَ هَكَذَا طَوِيلًا، ثُمَّ نَهَضَ فَقَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ»، وَبَشَّرَ الْمُسْلِمِينَ بِالْفَتْحِ وَالنَّصْرِ.
وَأَرَادَ أَنْ يُرْسِلَ إِلَى عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ لِيُصَالِحَهُ عَلَى ثُلُثِ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ، وَيَنْسَحِبَ هُوَ بِغَطَفَانَ، فَأَبَى ذَلِكَ سَيِّدَا الْأَنْصَارِ: سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَقَالَا: كُنَّا نَحْنُ وَهَؤُلَاءِ عَلَى الشِّرْكِ، وَلَمْ يَطْمَعُوا أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا ثَمَرَةً، فَحِينَ أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وَأَعَزَّنَا بِكَ نُعْطِيهِمْ أَمْوَالَنَا؟ وَاللَّهِ لَا نُعْطِيهِمْ إِلَّا السَّيْفَ. فَصَوَّبَ رَأْيَهُمَا. حِيلَةُ نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ وَتَخَاذُلُ الْأَحْزَابِ
وَلِلَّهِ فِي خَلْقِهِ شُؤُونٌ؛ فَقَدْ جَاءَ فِي تِلْكَ الظُّرُوفِ الْقَاسِيَةِ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيُّ، وَهُوَ مِنْ غَطَفَانَ، وَكَانَ صَدِيقًا لِقُرَيْشٍ وَالْيَهُودِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَإِنَّ قَوْمِي لَمْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي، فَمُرْنِي بِمَا شِئْتَ.
فَقَالَ ﷺ: «إِنَّمَا أَنْتَ رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَاذَا عَسَى أَنْ تَفْعَلَ؟ وَلَكِنْ خَذِّلْ عَنَّا مَا اسْتَطَعْتَ، فَإِنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ».
فَذَهَبَ نُعَيْمٌ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَلَمَّا رَأَوْهُ أَكْرَمُوهُ، فَقَالَ: تَعْرِفُونَ وُدِّي لَكُمْ، وَخَاصَّةَ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَإِنِّي مُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاكْتُمُوهُ عَنِّي. قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: قَدْ رَأَيْتُمْ مَا وَقَعَ لِبَنِي قَيْنُقَاعَ وَبَنِي النَّضِيرِ، وَقَدْ ظَاهَرْتُمْ قُرَيْشًا وَغَطَفَانَ، وَهُمْ لَيْسُوا مِثْلَكُمْ؛ الْبَلَدُ بَلَدُكُمْ، فِيهِ أَمْوَالُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ، وَلَا تَقْدِرُونَ أَنْ تَتَحَوَّلُوا عَنْهُ، وَأَمَّا هُمْ فَإِنْ أَصَابُوا فُرْصَةً انْتَهَزُوهَا، وَإِلَّا لَحِقُوا بِبِلَادِهِمْ وَتَرَكُوكُمْ وَمُحَمَّدًا يَنْتَقِمُ مِنْكُمْ كَيْفَ شَاءَ. قَالُوا: فَمَا الْعَمَلُ؟ قَالَ: لَا تُقَاتِلُوا مَعَهُمْ حَتَّى يُعْطُوكُمْ رَهَائِنَ.
قَالُوا: لَقَدْ أَشَرْتَ بِالرَّأْيِ.
ثُمَّ أَتَى نُعَيْمٌ قُرَيْشًا فَقَالَ لَهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَى غَطَفَانَ، فَتَشَكَّكَتِ النُّفُوسُ، وَتَشَقَّقَتِ الصُّفُوفُ.
فَأَرْسَلَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْقِتَالِ، فَقَالُوا: إِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ السَّبْتِ، وَإِنَّا لَا نُقَاتِلُ حَتَّى تُعْطُونَا رَهَائِنَ. فَقَالَتْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ: صَدَقَكُمْ وَاللَّهِ نُعَيْمٌ. وَرَفَضُوا. فَخَارَتْ عَزَائِمُ الْفَرِيقَيْنِ، وَتَخَاذَلُوا.
نِهَايَةُ الْغَزْوَةِ وَالنَّصْرُ الْإِلَهِيُّ
وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَدْعُونَ «اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا، وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا».
وَابْتَهَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، سَرِيعَ الْحِسَابِ، اهْزِمِ الْأَحْزَابَ، اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ».
فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ يَرَوْهَا، فَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وَقَلَعَ خِيَامَهُمْ، وَقَلَبَ قُدُورَهُمْ، وَضَرَبَهُمُ الْبَرْدُ، فَلَمْ يَقِرَّ لَهُمْ قَرَارٌ، وَتَهَيَّؤُوا لِلرَّحِيلِ.
وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ يَتَحَسَّسُ خَبَرَهُمْ، فَدَخَلَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ رَجَعَ، فَأَخْبَرَ بِرَحِيلِهِمْ، وَنَامَ.
فَلَمَّا أَصْبَحَ الْمُسْلِمُونَ
لَمْ يَرَوْا فِي سَاحَةِ الْقِتَالِ أَحَدًا، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿وَرَدَّ اللَّهُ
الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا، وَكَفَى اللَّهُ
الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ، وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾.
وَكَانَتْ بَدَايَةُ هَذِهِ
الْغَزْوَةِ فِي شَوَّالَ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَنِهَايَتُهَا بَعْدَ
نَحْوِ شَهْرٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَكَانَتْ أَكْبَرَ مُحَاوَلَةٍ لِأَعْدَاءِ
الْإِسْلَامِ لِضَرْبِ الْمَدِينَةِ، فَخَيَّبَ اللَّهُ مَسْعَاهُمْ، وَقَالَ
النَّبِيُّ ﷺ:
«الْآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا
يَغْزُونَنَا، نَحْنُ نَسِيرُ إِلَيْهِمْ».

0 

Qissadii ''' Al-Axzaab Q1aad ''' Li Sh Xanaafi Xaaji Xafidahullaah
غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ ( الأحزاب ) .